المشاركات

عرض المشاركات من 2016

على غير العادة

مرت خمسٌ وعشرون دقيقة دون أن أغطّ في النوم، إنه تأثير القهوة لا ريب، لا يزول مفعولها عن جسدي إلا بعد أن يذيقني ألوان العذاب مع السُهاد، ولا أزال أحضّرها وأشربها على أية حال، كمن يطلب هذا العذاب لنفسه ويرتجيه. فكّرتُّ خلال الدقائق المنصرمة بأشياء كثيرة، وعلى غير العادة، أشياء إيجابية جداً. منبع هذه الأفكار ومُلهمها هو غربتي -مثل كل مرة، ولكن الاختلاف الآن، أن تكون هي ذاتها مصدُر ابتهاجي! الغُربة التي كنت أصبح وأمسي أشتمها و"ألعن بيّها"، وأحيل أسباب أزَماتي وانفعالاتي إليها، ووحدتي وشقاوتي وجنوني وتحولاتي، وكل شيء، كل شيءٍ جرى علي ولي وإليّ بفضلها هي! وآخ من الغُربة.. كم كُنت طفلة قبل هذه السنوات الثلاث، وكم كبرتُ وشبّ قلبي وفكري بسرعة، سبحان من يغير ولا يتغير. كنتُ دائماً ألوم والدي في سرّي على أنه لم يحكي لي عن وجه الحياة الآخر، الوجه لم أعهده في حضنه، رغم أنه قد أخبرني عن كل شيء.. -أو هكذا ظننت. رافقتُه في طفولتي وتعلمتُ عنه الكثير، وكان فخوراً بي دائماً، وحريصاً على أن يعطيني ما لم تأخذه بناتُ جيلي. كنتُ أعلم أني قرة عينه وقطعة قلبه التي يُسر إليها وتسَر هي به، وهذا ما...
أمسكُ رأسي بكلتا يديّ، أناشد عقلي بأن يهدأ، أن يتجمد ، أن يتوقف عن التفكير ساعة. يأبى إلا أن يرميني في لُجج العذاب.. أستعينُ بقلبي، فإذا به متقد هو الآخر، يشارك عقلي همّه، يتحاوران، يكاد أحدهما يقنع الآخر، فتبعث ذاكرتي برسالة ما أو صورة أو كلمة تؤجج الخلاف أكثر، ألعنها، أفترشُ الأرض وأنام. توقظني أختي، التي تشاركني غربتي، للصلاة أو للدراسة، أصلي، ثم أعود للنوم، أنام ساعة واثنتين وثلاثة. أستيقظُ، أستمعُ بتركيز لأصواتهما، لا همس ولا شجار، أحدهما نائم والآخر يلهو في مكانٍ ما، الحمدلله. أعود ليومي، أقرأ الرسائل الفائتة، والأخبار الأخيرة، إحداهنّ عقّبت على تعليقٍ لي، أقرأه، أشتمها بيني وبين نفسي، يسمع عقلي صوت شتيمتي فيشمّر عن ذراعيه عائداً للحوار الذي لا ينتهي، والصداع يكاد يفتك بي. , أيقنتُ أخيرًا أن مشكلتي مع هذا العالم، أنني أعرف مشاكله، إنني أعاينها وأحسن تشخيصها وأذكر مجريات أحداثها، ولكنني إذا ما وقعتُ بمشكلة مع إحداهن ، كانت شريكة عمرٍ لي، أترنّح، أفقد توازني، لتصيدني شباكُ العجز وترميني للاكتئاب. مشكلتي الحقيقية هي عدم قدرتي على الحصول على مبررات لاختفائهن، إنهنّ بعد كل شي...