على غير العادة

مرت خمسٌ وعشرون دقيقة دون أن أغطّ في النوم، إنه تأثير القهوة لا ريب، لا يزول مفعولها عن جسدي إلا بعد أن يذيقني ألوان العذاب مع السُهاد، ولا أزال أحضّرها وأشربها على أية حال، كمن يطلب هذا العذاب لنفسه ويرتجيه.
فكّرتُّ خلال الدقائق المنصرمة بأشياء كثيرة، وعلى غير العادة، أشياء إيجابية جداً. منبع هذه الأفكار ومُلهمها هو غربتي -مثل كل مرة، ولكن الاختلاف الآن، أن تكون هي ذاتها مصدُر ابتهاجي!
الغُربة التي كنت أصبح وأمسي أشتمها و"ألعن بيّها"، وأحيل أسباب أزَماتي وانفعالاتي إليها، ووحدتي وشقاوتي وجنوني وتحولاتي، وكل شيء، كل شيءٍ جرى علي ولي وإليّ بفضلها هي! وآخ من الغُربة..

كم كُنت طفلة قبل هذه السنوات الثلاث، وكم كبرتُ وشبّ قلبي وفكري بسرعة، سبحان من يغير ولا يتغير. كنتُ دائماً ألوم والدي في سرّي على أنه لم يحكي لي عن وجه الحياة الآخر، الوجه لم أعهده في حضنه، رغم أنه قد أخبرني عن كل شيء.. -أو هكذا ظننت. رافقتُه في طفولتي وتعلمتُ عنه الكثير، وكان فخوراً بي دائماً، وحريصاً على أن يعطيني ما لم تأخذه بناتُ جيلي. كنتُ أعلم أني قرة عينه وقطعة قلبه التي يُسر إليها وتسَر هي به، وهذا ما عرفه عني الاقربون هنا، ولم أسلم من ألسنتهم أول مجيئي إلى البلاد، لم يكن يروق لهم أبداً أن أتصرف (كالشباب) وأن أكون أنا صاحبة قراراتي، لاحقاً، سمعتُ واحدة منهن تخافت ابنتها مشيرةً إلي وأنا أتحدث مع والدي على "سكايب" :( والله، كيف أبوها يعاملها وكيف أبوكِ يعاملك!)، يومها دعوتُ الله ملء الفاه والقلب أن يحفظ لي والدي ويطيل لي في عمره.

" كبرتُ بسرعةٍ يا أبتِ.. وليتك تدري.. "

الأشياء التي زادت من حَنقي على أبي، وهي كثيرة للعلم، كانت تبرزُ عند كل صدمةٍ تلقيتُها واضطررتُ لأن أبتلعها على مضض. وهذه الصدمات بالمناسبة، هي أمورٌ تعاكست مع قناعاتي وأفكاري التي تشربتُها في بيئتي الأولى وكوّنَت قاعدة بياناتي، فوجدتً أنها أولى أن تتُبع - في مواقف صعبة جداً. (بعد تفكير)، لا بأس.. لعله من المبكر الحديث عن هذا الآن.

بالعودة للحديث عن الغربة، المنفى الجميل، والملاذ المُر، كان تواجُدي هنا فرصة جيدة لأعرفني أكثر، أكثر: بالمعنى الذي أُعاين فيه ذاتي في أقصى غضبها، وفرحها، وتوتُرِها، وخوفها، واستقرارها، ونشوتها وانفعالها.. عرفتُني في وقتٍ جهل الكثير منا نفسه وما أنزلها حق منزلتها. وعرفتُني في انكساراتي أيضاً، وما كان أكثرها آنفاً !
كنتُ دائماً أقول لصديقاتي المقبلات على الزواج: استفزي خطيبك لتعرفي أسوأ ما فيه، لأن هذا الحد، قد يكون حدّ النهاية لسوئه فتمطئنّين، أو حداً لعلاقتكما من الاستمرار بعد أن عرفتِه. وهذا ما وجدته في نفسي واطمأننتُ إليه.
على أية حال، لا أدّعي أنني وصلتُ لتلك المرحلة من الاستقرار النفسي والروحي تماماً، فأنا أدنو تارة وأنأى تارات، ولازلتُ أهرعُ إلى المستقر كلما تباعدنا، فمثلاً، ولأعيش في حياة أكثر بساطة وأكفكف عني أي فكرة غير مرغوبة، قررتُ مؤخراً أن أترك هاتفي الذكي بكل مافيه، بعد أن سددتُ أكبر منافذ الناس إلي على الانترنت، وأبقيتُ تواصلي على قلة قليلة منهم. تركته وتركتُ معه كل العلاقات الحقيقية وتلك التي شيّدتُها - اونلاين، وهي حتماً ستضعف ويرقّ عظمها إذا ما استمرت فترة مكوثي في حالة الأوفلاين طويلا!
وجدتُ أن اختلاق الفجوة مع الآخرين هو في الواقع يقلل المسافة بيني وبين نفسي، خصوصاُ أن انتكاساتي الأخيرة كانوا هم سبباً مباشراً فيها. كنت أخشى من فكرة الوقوع في شرك الوحدة والكآبة من جديد، ولكني، لم أعد أستجدي اهتماماً من أيٍ يكن، وظللتُ لفترة جيدة، وحيدة رغم وجود هذا الكم من الناس حولي - في الواقع وعلى أرض الفضاء الالكتروني.

أُحب فكرة أنني لستُ بحاجةٍ لأحد يؤنسني، ويسمعني إذا ما ضاقت بي رحاب الكون، ويشاركني جنوني وانفعالاتي. أحب هذه الفكرة، عندما لا أناشد أصدقائي القدامى لنتشارك هذه اللحظات تحديداً - معاً. أصبحتُ أحبها أصلاً، عندما لم يتبقى منهم أحد.
... يُتبع.




تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

في الذكرى السنوية الأولى لوفاة جدتي أم هشام

خربشات على وجه الفجر