خربشات على وجه الفجر
يُذكر أن محمد ابن أبي عامر في حواره الشهير مع محبوبته صبح، يقول مصرّحًا لها بحبه: "هل يبقى الشيء معدوماً طالما بقي سراً في القلب حتى إذا أُفصِح عنه وُجد؟ إذاً أُفصح عنه ولا أبالي، فهو موجود". الحوار شهي أخّاذ، ينم عن شجاعة ابن أبي عامر في الحب، إذ ليسَ إنكاره من شيَمِه أبداً. أحب هذا كثيراً.
اليوم أجريتُ اختباراً لفحص الاكتئاب على الإنترنت، وحصلتُ على نتائج مهولة، عرضتها على صديقاتي من المجمّع الطبي فأخذن يولولن. كنت أعرف أن ما سأحصل عليه لن يكون مُرضياً، إذ قد تستطيع عادةً توقُع نتائج مثل هذه الاختبارات مسبقاً، إما لأنّ شيئاً ما فيك قد تغيّر عن ذي قبل -للأسوأ طبعاً، أو من خلال اتجاهك نحو نمطٍ معين من الإجابات أثنـاء الفحص، وهي - بلا شك- الأجوبة التي تؤكد إصابتك بالاكتئاب حتى أخمص قدميك. لم يسرّني أبداً أني قد أحتاج إلى طبيبٍ نفسي، أو أخصائي يشير عليّ بما أفعل وما لا يجب علي فعله، أؤمن كثيراً أن الإنسان طبيب نفسه، وأنّه إذا شخّص نفسه بشكل صحيح، فقد عرف نصف الإجابة، ونصف الدواء تشخيص الداء. (كأني أصبحتُ كثيرة الكلام؟)
تذكرتُ أختي التي تصغرني بأربع سنوات. إنها لا تخجل من كونها تتحدث كثيراً، وتعتبر هذا صفةً من صفاتها المميزة، ومع أني أعمد إلى استفزازها عندما تهمّ بالحديث عن أحداث يومها فأقوم إلى خارج الغرفة، أو أضع السماعات على أذني أثناء حديثها، إلا أنها تستمر بالحديث غير مبالية بي. بعكسي تماماً، كلما تذكرتُ أن معلمة من معلماتي المفضلات بالمدرسة الابتدائية علّقت عليّ عندما ذهبت أمي إلى المدرسة في اجتماع أولياء الأمور بأني (شاطرة.. بس ثرثارة)، أتراجع عن الكثير من الحكي. أتمنى لو أنها الآن أمامي فأصدّع رأسها بأفكاري التي لا أخبر عنها أحداً، خصوصاً تلك الأفكار السوداء السلبية.
أين كناّ؟ آه، الاكتئاب، ومحمد ابن أبي عامر، والحب. هل يعقل أني أصبت بالاكتئاب لأني لا أحب؟ لا أعرف شخصاً وقع في الحب والاكتئاب معاً، لا يُردي الله عبادَه مرّتين، أليس كذلك؟ كما أنّ، "ضربتين على الراس.. بتوجِع". حوّلتُ اللينك لإحدى الصديقات حتى تجري الفحص إياه فقالت ممتعضة: (أخشى أن أجرب هذا الاختبار، لأعرف أني مصابة بالاكتئاب، فأكتئب حقاً). فهي إذاً ستحتال على نفسها حتى لا تصدق يقينا بأنها مصابةٌ بما تخشاه، فيحصل مالا يحمد عُقباه. ولكن، هل ينفي تجنّبها الكشف عن هذا المرض وقوعها في شباكه؟ بالطبع لا. الحال هنا كما هو اعتراف ابن أبي عامر لصبح بحبه: الحذر لا يغني من القدر. ولكن الفرق، هو الرغبة بحدوث الشيء من عدمه، ففي الحالة الأولى، على فرض أن صديقتي وافقت على إجراء الاختبار ثم تبيّن لها أنها مصابة بالاكتئاب كما كانت تتوقع وتخشى: قد تزداد حالتها سوءا، وتتولد لديها الأفكار السوداء بوتيرة أسرع، قد تشرد أكثر، وتصيبها لعنة الأرق أكثر، قد تستسلم وتسلّم بأي حدثٍ مشؤوم أو فكرة سوداوية عارضة لأنها تعلم آنفاً أنها مصابة بالاكتئاب الذي كانت تهابه لأنها لا ترغب به، لأن الإصابة به ورطة، فهي تعلم نتائجه آنفاً؛ إذن هي ستعذر نفسها على كل ما فكرت أو تفكر به، ما يطيل حالة الاكتئاب لديها، ويكون الأمر قد وقع ولا مفر. لِـنقل انها رفضت إجراءه؟ قد تتفاقم حالة الاكتئاب لديها في أسوأ سيناريو، وكردة فعل عكسية ستقوم بعمل أي شيء محبب لنفسها لتخرج من وحل السوداوية، دون أن تعرف أنها كانت مصابة بالاكتئاب أصلاً. نخلص إلى أنّ النفس ترفض حالة المرض جملة وتفصيلاً، أما في حالة عصافير الحب، فالحب، وإن كان منالاً يُشتهى وحالة يهابانها في آن، إلا أنّ النفس تطلبه شئنا أم أبينا، فهما لا ينكران متطلبات القلب والروح، كالمغناطيس تشد أرواح بعضهما بعضاً. مَن منا على أية حال ستسمح له الفرص أن يعيش الحب بنعيمه وعذاباته ثم يأبى؟ (سنغض الطرف عن هذا السؤال لظروف طارئة).
ماذا بعد؟ هناك الكثير من قبل ومن بعد، ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله، ينصر من يشاء، وهو العزيز الرحيم. النصر الرباني المُشتهى، والذي نحلم به، بيده البيضاء تنتشلنا من موتنا اليومي، أو تخلصنا من ظلمٍ وشيك، أو تنصرنا على من عادانا، أو على ذواتنا. كلما همّت نفسي بالتفكير بسوء، وما أكثر همهماتها هذه، أعود لأذكّرها بأن الله غفور رحيم، لطيف بعباده، لطيف يا بنان، كوني لطيفة، محدش ناقصك، ولا انتي ناقصة حالك، كفى هراء، الدنيا فناء، التفكير داء، والسوداوية وباء، والفرح للروح غذاء، والذِكر دواء، والحمدلله وكفى، وصلى على عبده المصطفى، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
تعليقات
إرسال تعليق