في الذكرى السنوية الأولى لوفاة جدتي أم هشام

كان يوما ماطرا كهذه الأيام، حين بلغنا خبر رحيلها. استقليت سيارة الأجرة فور سماعي الخبر، واتجهت إلى البلد قاصدةً بيتها. على الطريق من نابلس إلى كفرراعي، كنت أقطع الزمن الذي قرر أن يصبح ثقيلاً علي، كرجل كهل شلّ المرض حركته، وكانت آلاف الأفكار قد قطعتني حينذاك. كنت هادئة ومتماسكة، أو هكذا ظننت.
سألني سائق السيارة عند مشارف البلد:
- إلى أين وجهتك ياعمي؟
-بيت الجدة أم هشام دياب.
- " المرحومة؟ "
عند هذه اللحظة، شعرت أن الزمن قد توقف، وأن الشيب قد غزاني على حين غرة، أن الماء المثلج قد صُب على رأسي صباً، وقلبي، شعرت أن قلبي قد انتُزع مني. كان سؤاله ذاك هو الصفعة التي دفعتني لإدراك هذه الحقيقة، حقيقة أنها قد رحلت إلى غير رجعة.
نعم، لقد أصبحت أم هشام "المرحومة"، المفارقة لنا وللحياة... لقد أصبحت المنتقلة إلى ذمة الله، والمجاورة لرحمة ربها.
يا لهذا الموت! لا يُفجـِع سوى الأحياء، ولا ينهش سوى القلوب المنفطرة على رحيل أحبابها، ينزل علينا كالسيل الجارف، فيجرف من بيننا من يجرفُ إلى الغياب السرمدي. ومع كل رحيل، يقضم الراحلون قضمة من القلب والروح، ويغادرون الحياة دون أن يغادروننا، هكذا، حتى نجد فيما بعد أن أرواحنا أصبحت قـفر، وأن أفئدتنا باتت خاوية على عروشها.
لقد رحلت إذن، رحلت قبل أن أخبرها بأني أحببتها كما أحب هذه البلاد، وأن بُعدي عنها في الفترات الأخيرة لم يكن سوى هرباً، من أشياء لم أستطع أن أبُح بها لأحد، ولها على وجه الخصوص. كنت أود أن أعتذر لها عن تقصيري بالسؤال والزيارة، أن أسابق الزمن فأغلبه لمرة واحدة في حياتي، أن أجثو عند أقدامها فتضمني إلى صدرها كما تفعل هي في كل مرة ألقاها بها. ولكنه الموت، يقض مضاجعنا ويباغتنا دون سابق إنذار. منذ ذلك الحين وأنا أسأل الله أن يجمعني بها في المنام حتى أحادثها. كم وددت لو أسمعها تترضى علي وتدعو لي دعاءها الصادق كما كانت تفعل دائماً... 

مازلت أذكر لقائي الأول بها بعد عودتي إلى البلاد، كانت أبية قوية رغم كبر سنها، متحدثة لبقة، تستلم دفة الحديث وتنطلق به بينما نحن متحلقون حولها، مشدوهون، نتابع حديثها بإنصات. كانت تحفظ الكثير من الأشعار والأغنيات الوطنية، ولديها الكثير من القصص، والكثير الكثير من العبر. شهدتها في وسائل الإعلام مرات عدة وهي تدافع عن أسرى الاحتلال، وتدعو لأبنائها بالصبر والثبات، وتشد على أيديهم وقلوبهم خلف عتبات الزنازين، فقد كانت أم الأبطال الذين تجرعوا ظلم العدو وإجحاف الاعتقال الإداري، وذاقوا الموت في إضرابهم عن الطعام. جربوا هذا كله في زمنٍ عزّ فيه المدافعون عن القضية، ليرزقهم الله أماً كأم هشام، لا تخاف في الله لومة لائم، أمٌ لم يهدأ لها بال وهي تناصرهم قولا وعملا. كانت تعتصم في خِيم ذوييّ المضربين عن الطعام أياما وأسابيع، وكانت تتوجه بصوتها نحو المسؤولين، كبارا وصغارا، تناشدهم بمهاتفة أبنائها في الأسر أو رؤيتهم، لتأخذ هذا الحق عنوة، كما ينبغي لأي أم فلسطينية أن تكون.
"لما دريت إنه أضرب، أضربت معاه، والله ومثل ما خوَت معدتُه ... خوَت معدتي".
في زياراتي لها، كانت تحدثني عن الأيام العصيبة التي قضتها حين اجتاح جنود الاحتلال منزلها وسلبوها أشبالها في الليالي المظلمة، كانت تجافي النوم حتى بزوغ الفجر وهي تدعو الله أن يحفظهم لها من مكر الاحتلال وعنجهيته. كنتُ ألتمس في حديثها الصبر والاحتساب، والقوة. هي لم تكن وحدها في هذه المعركة، فقد هيّأ الله لها القبول في الأرض، حتى حازت على محبة أهل البيت والبلد، بل والعرب الذين عرفوها. طوال فترة رباطها وأشبالها، كانت تتلقى المكالمات الهاتفية من الكثيرين من أهل تونس والمغرب والأردن والخليج، ممن يشدون على أيديها ويطمئنونها بأن الفرج قريب.
لم ينل الاحتلال من عزيمتها شيئا، كانت عصية على الكسر، فقلبها هو سلاحها الأمين، ودرعها الحصين، قلبها الذي تشرب الضيم والأذى والمرارة حتى هزُل جسدها ورق عظمها، ومع ذلك، فلم يزدها هذا كله إلا نورا بادياً في محيّاها.
وحدهن أولئك النسوة الفلسطينيات، وحدهن اللواتي يُعوّل عليهن بصبرهن وقوّتهن وتماسكهنّ، وحدهنّ اللواتي نذكرهن وننهل من بحورهن الوارفة، وأما نحن، من بقينا بالخلف، فنقف على الأطلال، نتجرع حسرات الفقد، ندعو لهن بالرحمة ونسأل الله أن يخرج من أصلابنا من يحذو حذوهنّ، علّنا بذلك ننال ما يسد رمقنا من فعلهن المجيد وتوقهن إلى الحرية الخالدة.


تعليقات

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

على غير العادة

خربشات على وجه الفجر