عن البيتزا والعلاقات الإنسانية
مضت فترة طويلة دون أن أكتب لي شيئاً هنا، فترة تراوحت ما بين رغبة بالكتابة (لي)، وما بين تملصٍ من أسئلة لا أعرف إجاباتٍ لها. فإذا كنتُ أكتب حتى أرتب أفكاري، وأعود لكتاباتي هذه لاحقاً بهدف قياس التغيّرات التي طرأت علي بين التدوينة والتدوينة، فلمَ عساي أنشرها على الملأ؟ هل عليّ أن أصبح كتاباً مفتوحاً أمام الغرباء؟ أي نزاهة في ذلك! وإن لم يكن ثمة من يقرأ لي، أو إن كان هناك من يقرأ ولكن لا يعرفني على وجه الحقيقة - وهذا لعمري من حسن حظي-، فهل عليّ أن أرتاب لأنّ شخصاً ما يعرف عني أكثر ما أعرف أنا عنه؟ وحتى أجد الأجوبة لكل هذه الأسئلة، سأكتب على مضض.
كسحابة صيف عابرة، مرت بي صديقتاي وأخذنني لنتناول البيتزا معاً، قبل أن تدركني انشغالاتي وأفكاري خلال اليوم. "دش سريع ولبـس أسرع"، كما لو أنني متجهة إلى محاضرة الساعة الثامنة، ارتديتُ عباءتي وقفلت معهن إلى المطعم. اتخذتُ مقعداً إلى جانب النافذة المطلة على رصيف محاذٍ لأشجار كثيرة، كما لو أنه أحد شوارع فلوريدا أو لوس أنجلوس اللتان لم أزرهما إلا من خلال الصور والأفلام. آخ، تذكرتُ رغبات قديمة بالقراءة عن فنون العمارة سابقاً وحديثاً، رغباتٍ تولّدت لديّ عند زيارتي لمحافظات بلادنا الجميلة، التي وإن تشابهت جغرافياً - تراها تتخذ طابعاً عمرانياً مختلفاً. نبهّني من شرودي ملاحظة صديقتي لي -تعقيباً على حوار سابق-: "أنتِ لا تجيدين حفظ تواريخ الميلاد إلا ما ندر، ولا تملكين في عالم المفاجآت والهدايا جَملاً أو ناقة". اتسعتْ حدقتاي خجلاً، فأنا فعلاً لا أجيد ترتيب المفاجآت، ودائماً ما أستعين بمواهب أختي في تحضير الهدايا، ولا أحفظ تواريخ ميلاد المقربين لي. قلتُ لها لأستدرك الأمر: "يعني هذا الشيء طبيعي في مواليد برج الثور؟". هاتان الصديقتان اللتان صحبنني وصحبتهما 12 سنة، أفكر إن كنّ يعرفنني أكثر ما أعرف نفسي، فهن كثيراً ما يفاجئنني بأنهما تعرفان كيف أفكر، أو تخمّنان كيف ستبدو سيناريوهاتي في أي ظرف من الظروف. أحب هذا النوع من العلاقات بقدر ما أخشاه، وهو غالباً ما ينتج عن علاقات الصداقة القليلة التي أوطّدها. تضيف نفس الصديقة: "ولا تملكون الكثير من المعجبين، أصلاً لا أعرف كيف ولمَ سيعجب الناس بكم، لا كلام حلو ولا أفعال". حسناً، هذا النوع من التهكّمات ليس بالغريب علي، ولكنه -لسوء حظي هذه المرة- صحيح.
حينما أعيد شريط الذكريات لست سنوات سابقة، وأستذكر كيف كنت أبدأ علاقاتي، أجدني كما أنا الآن، بذات الطبع، لا أغيّره ولا يغيّرني. أبدأ عامي الدراسي بين أناس لا أعرفهم، أتحاشى التعارف السريع حتى أشعر بالتآلف مع المكان أولاً، تقتصر محادثاتي بين الزملاء على "السلام" أو "مسا الخير". تمر فترة طويلة حتى أتمكن من كسر حاجز الرسميات هذا. عندما كنت في الصف الحادي عشر مثلاً، أخبرتني إحدى الزميلات التي أصبحت صديقتي فيما بعد، أنني كنتُ مادة نهمة للسخرية بين زميلاتي في الصف، فقد كنتُ أنا الدخيلة عليهن في ذلك العام، ولم أكن أعمد لإقامة أي نوع من أنواع العلاقات معهن، فقد كان لي عالمي في الصف وخارجه، إلا أنني كنتُ أقرأهنّ من خلال تجمعاتهن وإسرارهن بالحديث، كنت أعرف، وكم كان هذا يكسر قلبي. لاحقاً، أصبحنا على قلب واحد، واستطاعت عدة زميلات أيضاً أن يعترفن لي بشعورهن بالسخافة حيال أنفسهن قبل أن يعرفنني جداً. الغريب أن ذات السيناريو يتكرر في الجامعة، ولكنه هذه المرة -أخذ مني ثلاث سنوات- حتى استطعت أن أكوّن صداقاتي مع الزميلات في القسم. لو ترجعون إلى دفتر التخرج الخاص بي، لقرأتم في رسائل الزميلات والزملاء اعترافاتٍ مشابهة وشعور ساخط بالندم.
إذا كان تكوين العلاقات صعباً إلى هذه الدرجة، أفكر، كيف سأتنبه للوقت الذي قد يغتال علاقاتي القادمة وهي في المهد؟ وكيف سيكون حالي إذا ما ارتبطتُ عاطفياً في زمن السرعة وكم ستصمد هذه العلاقة قبل أن تنهار أمام متطلبات العاطفة والمجتمع والدين؟ على فرض أنني سأرتبط أصلاً، هل سيصمد سعيد الحظ عندما يعرف أني لا أحفظ تاريخ ميلاده قبل أن يتفهم أن هناك أمور جوهرية أهم، كاستيعابه في أكثر لحظاته تأزماً، أو اللجوء إليه كطفلة تعمد إلى كتف أبيها حين ينفطر قلبها حزناً في عالمٍ ليس لها؟ هذا ما سنعرف إجابته في الحلقة القادمة.
تعليقات
إرسال تعليق