الأفكار الصباحية .. بين الفلق والناس

أغبط من يدوّنون عن السياسة والعلوم كثيرًا، فالتحليل السياسي له متعته الخارقة خصوصاً لمن ألِف ما يدور في أروقة القصور وبين الدول والسادات، عدا أنه إضافة معرفية لتوسيع مدارك العقل البشري. عندما بدأتُ بالتدوين أول مرة، وجدتُني أكتب خواطري التي -تحمل غالباً- سخطي على ظروفي، ثم طال الأمر ليشمل تنظيراتي وفلسفاتي حول المجتمع والثقافات. هي محاولة لفهم المجتمع من أجل التعايش معه بكل إيجابياته وسلبياته، لأرسي قواعدي وقناعاتي، أو لأزحزح مرساه عن المكان الذي يألفه على مر السنين. وبقدر ما نأخذ منه، تجد أننا نطلب المزيد، المزيد من الوعي والإدراك والمعرفة، لنتلقى لاحقاً، مزيداً من الألم.
هذه المرة، لا أكتب سخطاً أو قهراً، لنقل أنه تصالح مع الذات، مع الفكرة والواقع. مثلاً، هناك مقولة أضعها نصب عيني دائماً فحواها: "المستحيلات في الدنيا ثلاث: الغول والعنقاء والخل الوفي"، أما الغول والعنقاء فهما أسطورتان دأبنا على ترديدهما في صغرنا وربما شاركنا في إعادة أسطرتهما بالطريقة التي تلائم مخيلاتنا، لنكبر فيما بعد ونعي أنّ الغول ماهو إلا شبح الأيام السوداء التي تحل علينا إثر نكباتنا التي صنعناها بأيدينا. وأما الخل الوفي فهو الصديق الصدوق الذي قد يصحبك ألف سنة، ويقف معك في عشرات الشدائد، يروح ويغدو في حاجتك، والذي، للمصادفة، سيأتي اليوم الذي يسقط فيه وراءك كما سقط الكثير، لأنه في النهاية والبداية- ليس سوى كائن بشري!
نحن مضحكون في عفويتنا المفرطة، نفكر كما الأطفال بحياة وردية أبدية، ما نلبث أن نضحك للدنيا حتى تصفعنا لتوقظنا من غفلتنا، لتنتشلنا من مُر الأوهام إلى عالمٍ أكثر واقعية، فنبهتُ تارةً لقسوتها، وتارةً نحمد الله على أن أبصرَنا فبصّرَنا.
أحبُّ الكيفية التي يتقبلً بها أبي أقدار الله في منحه وعطاياه وحتى حرمانه، الكيفية التي توصف بالحمد وتتلخص بالدعاء بالقبول أبداً. أفتقد لهذا الإيمان كثيراً، غفر الله لي تقصيري وزلاتي!
ماذا بعد؟ مازلت أحاول تفهم النفوس البشرية، مازلت أسبر أغوارها بالمنطق الحسي، أو الفلكي، مازلتُ أرصدُ رمقاتهم على إثر الشهب المتساقطة عليهم من أفواه الآخرين أو سكناتهم وأفعالهم، مازلتُ أرقبُ السلام النفسي الذي أطمح إليه في كل تجمّع عائلي، أو مناسبة اجتماعية، أو في البعد المقيم. 
كنت ألوم والدي في مدونات سابقة على أنه ضمني وإخوتي لجناحه الذي ما عرفنا فيه سوى مكارم الأخلاق ومحبة الخلق والخالق، كنت ألومه لأنه -سامحه الله- لم يخبرنا عن قسوة العالم الخارجي بعيداً عن كنفه الأمين، ولأنه -أطال الله عمره- لم يدعنا لنجرب شيئا من مكاره الحياة وشظفها وغلها. فأي حنوٍّ نرتجي بعيداً عنك وعن أمي؟ وأي تقديرٍ لنا نترقب وأنت يا من تفخر بنا في كل المحافل، وأنت وحدك غائب؟ وأي تفهمٍ لمواقفنا وردود أفعالنا ننتظر (كما عودتنا منك دوما) أي هذا ننتظر في عالم يتغذى على السقطات والزلات؟
مازلت أذكر تعابير وجه أختي الصغرى عندما صحبتني سفراً إلى البلاد وحدنا. العالم هنا معقد، النفوس مشحونة على بعضها، ومع ذلك فالأيادي تتصافح والألسن ترحب وتأهل وتسهل، فماذا ينبغي لها أن تفعل في جو غريب كهذا؟
أشفق على أبناء المغتربين العائدين إلى بلادهم قسراً، ظلماً هم آكلوه، ونبذاً هم شاربوه، وتهكماً هم ملاقوه في مجتمع لا يتقبل الشكل الآخر والثقافة الأخرى، لأن الصواب هنا لا يحتمل إلا وجهاً آخر هم وحدهم من يعرفونه فقط، وهذا لعمري سبب كاف لخلق الذرائع والفتن العنصرية والطائفية.
ايه، شو بدنا بطول الحكي، لم أشأ أن أتحول بكلامي إلى السخط، ولكنني كما ترى، أيها الغائب الحاضر، مترقبة ومتوجسة، أهدهد بنيّات أفكاري لئلا تدفعني لتصرفٍ طائشٍ آخر، أو لكتابة مدونة أخرى ألعن فيها سماء الاتصال البطيء بالانترنت، أو زمن السرعة والتكنولوجيا الذي أخذ منا أكثر مما أعطى -مثلاً، أو لأنظر فيها على المؤامره الكونيه التي أوجدتنا بطريقة ما لنكون هنا، في هذا العصر، بدلاً من عصر الحمام الزاجل، حيث من المفترض بك أن تكون، منتظرا وصول خصلة من شعري في مظروف رسالتي التي تحمل عطري، وكلماتي المنمقة، والكثير من الحب، والكثير من الاعتذارات.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

في الذكرى السنوية الأولى لوفاة جدتي أم هشام

على غير العادة

خربشات على وجه الفجر