رسالة تعرف وجهتها جيدا

لم نعد صغاراً يا صديقي
العمر يمضي مسرعاّ، والورود التي أينعت قد آن أوان قطافها، هذا أكثر شيء سمعته في إجازتي الأخيرة.
اليوم حدٌث أبي الناسَ ببهجة وحماسة عن موقفٍ بدر مني بينما كنت في الصف التاسع. حدثهم عنه بتفاصيل هذا الموقف الذي نسيته أنا. لم أستطع ان أمنع تلك الضحكة الخجولة من الانطلاق ومعانقة عيون أبي اللامعة.
لقد كبرتُ إذن، وخلّفت عند هذا الرجل ذكرياتٍ يتفاخر بنقلها لأصدقائه عندما يبدأ بتقديمي إليهم. أثارني أيضاً أنه أطلعهم على المادة العلمية التي نشرتها بالأمس، مضيفاً بأنه يشعر بالفخر حقا عندما يرى أولاده ينتجون ويبتكرون دون ان يتوقفوا عند مرحلة ما.
يا لهذا الأب!

أكتبُ إليك، وهَمُّ تلك الأشياء يتعاظم في صدري ويثقله. كيف سأنجو من نظرة الخيبة التي سيرمقني بها أبي إذا ما اغتلتُ آماله يوما فيّ؟ هل عليّ أن أبدو دائما كما عرفني دون أن أطلعه على أفكاري التي أعادت تشكيلي مجددا؟ هذه الأفكار التي بسببها تلوّح أمي بأصابع الاتهام نحوي؟ لم أعد تلك الفتاة المثالية التي عرفوها حقاً. كل شيء قد اختلف. الحياة والغربة والتعليم والانفتاح والاطلاع والمناقشات الفكرية والجدالات الكثيرة والتنقل بين المجتمعات المختلفة واحتدام الصراعات ووقوفي أمام التناقضات قد أعادت بلورتي وتشكيلي مجدداً، إلى هيئة غير تلك التي ألفوها، إلى شكلٍ يرضيني، ويقنعني، ويدفعني لاختيار طريقة مختلفة، تخصني وحدي، نزوعاً من كل تلك العوالم، إلى عالمي أنا فقط. عالمي الذي لا يعرفونه ولن يقبلوا به.

في حوارٍ مع صديقتي المغتربة أيضاً، تساءلت صديقتي عن مرشدٍ أسريّ، يجيب عن سؤال انعدام التفاهم بين الأولاد -في مرحلة النضج- وأهلهم الذين يصرون على تسييرهم دون تفهّمٍ واستيعابٍ لرغباتهم وقراراتهم الخاصة وحتى قناعاتهم الشخصية. في الحقيقة، لم أسمع بمرشد من هذا النوع، ولكن لم لا؟
ييدو أنه صار لزاماً علينا أن نتصل بوسيط ليحُل هذه المسائل حتى لا نشعر بالسخط حيال انفسنا أو نُشعر أهلنا بفشلهم بتربيتنا أو ضياع جهد السنين سُدى.

هذا كل شيء الآن، يا صديقي الجميل. أرى كل ما تنبأتَ به حدث ويحدث، فها هي أمي تحاول إحكام سيطرتها على ابنتها رغبةً بإرسالها نحو المصير الذي ينتظرها او تنتظره الأم. لو شاهدتَ كونان، لـتعرفت على كيد، اللص الذكي الذي أحب، وشاهدتَ كيف بتلويحة أصبع يختفي من مسرح الجريمة قبل إحكام القبض عليه مخلفاً وراءه كومة دخان كبيرة. ليتني أملك مهارة الاختفاء هذه. هل يذهب كيد إلى الناس الذين يحبونه وينتظرونه بعد اختفائه؟ لا أحد يعلم.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

في الذكرى السنوية الأولى لوفاة جدتي أم هشام

على غير العادة

خربشات على وجه الفجر